ابن عجيبة
320
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقوله تعالى : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ، قيل : هو الحب للّه ، فلا يسأل العبد من مولاه من حبه إلا ما يطيقه ، وتأمل قضية الرجل الذي سأل سيدنا موسى عليه السّلام أن يرزقه اللّه حبه ، فلما سأل ربه موسى عليه السّلام هام ذلك الرجل ، وشق ثيابه ، وتمزقت أوصاله حتى مات . فناجى موسى رضى اللّه عنه ربه في شأنه ، فقال : يا موسى ، ألف رجل كلهم سألوني ما سأل ذلك الرجل ، فقسمت جزءا من محبتي بينهم ، فنابه ذلك الجزء . أو كما قال سبحانه . وقال بعض الصالحين : حضرت مجلس ذي النون ، في فسطاط مصر ، فحزرت « 1 » في مجلسه سبعين ألفا ، فتلكم ذلك اليوم في محبته تعالى فمات أحد عشر رجلا في المجلس ، فصاح رجل من المريدين فقال : يا أبا الفيض ، ذكرت محبة اللّه تعالى فاذكر محبة المخلوقين ، فتأوه ذو النون تأوها شديدا ، ومد يده إلى قميصه ، وشقه اثنتين ، وقال : آه ! غلقت رهونهم ، واستعبرت عيونهم ، وحالفوا السّهاد ، وفارقوا الرّقاد ، فليلهم طويل ، ونومهم قليل ، أحزانهم لا تنفذ . وهموهم لا تفقد ، أمورهم عسيرة ، ودموعهم غزيرة ، باكية عيونهم ، قريحة جفونهم ، عاداهم الزمان والأهل والجيران . قلت : هذه حالة العباد والزهاد ، أولى الجد والاجتهاد ، غلب عليهم الخوف المزعج ، أو الشوق المقلق ، وأما العارفون الواصلون ؛ فقد زال عنهم هذا التعب ، وأفضوا إلى الراحة بعد النصب ، قد وصلوا إلى مشاهدة الحبيب ، ومناجاة القريب ، فعبادتهم قلبية ، وأعمالهم باطنية ، بين فكرة ونظرة ، مع العكوف في الحضرة ، قد سكن شوقهم وزال قلقهم ، قد شربوا ورووا ، وسكروا وصحوا ، فلا تحركهم الأحوال ، ولا تهيجهم الأقوال ، بل هم كالجبال الرواسي ، نفعنا اللّه بذكرهم ، وجعلنا من حزبهم . آمين . قوله تعالى : ( واعف عنا ) ، قال الورتجبي : أي : ( واعف عنا ) قلة المعرفة بك ، ( واغفر لنا ) التقصير في عبادتك ، ( وارحمنا ) بمواصلتك ومشاهدتك . ه . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وسلام على المرسلين ، والحمد للّه رب العالمين .
--> ( 1 ) حزر الشيء حزرا : قدره بالتخمين فهو حازر .